عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
218
اللباب في علوم الكتاب
فصل في بيان المشيئة استدل أهل السنة بهذه الآية على أنه تعالى قد يشاء الكفر « 1 » ، واستدل المعتزلة بها على أنه لا يشاء إلا الخير . فأمّا وجه استدلال أهل السنة فمن وجهين : الأول : قوله : « إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجّانا اللّه منها » [ يدل على أن المنجي من الكفر هو اللّه - تعالى - ، ولو كان الإيمان يحصل بخلق العبد ، لكانت النجاة من الكفر تحصل للإنسان من نفسه لا من اللّه تعالى وذلك على نقيض قوله « بعد إذ نجّانا اللّه منها » ] « 2 » . الثاني : أن معنى الآية أنه ليس لنا أن نعود إلى ملتكم إلا أن يشاء اللّه أن يعيدنا إلى تلك الملة ، وتلك الملة كفر ، فكان هذا تجويزا من شعيب - عليه السلام - أن يعيدهم إلى الكفر « 3 » . قال الواحدي « 4 » : ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر ؛ ألا ترى إلى قول الخليل - عليه الصلاة والسلام - : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ [ إبراهيم : 35 ] وكان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « يا مقلّب القلوب والأبصار ثبّت قلوبنا على دينك وطاعتك » « 5 » . وقال يوسف - عليه السلام - : تَوَفَّنِي مُسْلِماً [ يوسف : 101 ] . وأجاب المعتزلة بوجوه « 6 » : أحدها : أن قوله : « ما لنا أن نعود إلى تلك الملة إلا أن يشاء [ اللّه ] أن يعيدنا إليها قضية [ شرطية ، وليس فيها بيان أنه تعالى شاء ذلك أو ما شاء . وثانيها : أن هذا مذكور على طريق التبعيد ] « 7 » كما يقال : لا أفعل ذلك إلّا إذا ابيضّ القار وشاب الغراب ، فعلّق شعيب - عليه السلام - عوده إلى ملتهم على مشيئته بما علم أنه لا يكون منه ذلك أصلا على طريق التبعيد لا على وجه الشرط . وثالثها : قوله : « إلا أن يشاء اللّه » ليس فيه بيان أن الذي يشاء اللّه ما هو ؟ فنحمله على أن المراد إلا أن يشاء اللّه بأن يظهر الكفر من أنفسنا إذ أكرهتمونا عليه بالقتل ، وذلك لأن عند الإكراه على إظهار الكفر بالقتل يجوز إظهاره ، وما كان جائزا كان مرادا للّه - تعالى - ، وكون الصبر أفضل من الإظهار لا يخرج الإظهار من أن يكون مرادا للّه - تعالى
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 145 . ( 2 ) سقط من ب . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 145 . ( 4 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 145 . ( 5 ) أخرجه مسلم 4 / 2045 ، كتاب القدر : باب تصريف اللّه تعالى القلوب كيف شاء ( 17 / 2654 ) وأخرجه الترمذي 4 / 390 - 391 كتاب القدر : باب ما جاء أن القلوب بين إصبعي الرحمن ( 2140 ) وقال : وفي الباب عن النواس بن سمعان وأم سلمة وعبد اللّه بن عمر وعائشة ، وهذا حديث حسن ، وهكذا روى غير واحد عن الأعمش عن أبي سفيان عن أنس ، وروى بعضهم عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وحديث أبي سفيان عن أنس أصح . ( 6 ) ينظر : الفخر الرازي 14 / 145 . ( 7 ) سقط من أ .